وللنخيل في عراق الرشيد تأوه وصهيل…
الأوطان هَمّ كل إنسان شريف حرّ أبيّ لا يرتضي الإذعان.
ولكن يشاء القدر لدمع العين ينهمر على البشر
على الحجر على وطن هُجر
لا رغبة بل أصابه شر مستطر
ومن المعهود عند الشعراء أن يحملوا أوطانهم في حقائبهم وأن يبينوا أثر من قضّ مضجعهم على من يتحدث عنهم أو يسير معهم
لكن بابليّ الشعر والمجد ارتأى أن يتجه نحو من لاصوت له ولا صهيل
غير أن له في نفسه اختلاجات وتأثير
كيف لا ونخيل الرافدين عانت من الويلات الكثير
صباح مساء عصراً وهجير
يصرح الشاعر في مستهل قصيدته عن أشياء همت أدمعه لها منذ زمان ولم تعد في معجمه المثقل بالأحزان بل تراه يعرج إلى ما يهيج القلب والوجدان إنه نخيل الشموخ والأصالة رمز العطاء والعنفوان
ماذا دهاه ؟؟
ماذا حلّ بما قدسه الباري في القرآن؟
يقول :
مَاهاجَ دَمْعِـــــــيَ لَمّا بَانَ لي طَلَلُ
ولاوقفتُ وصحبي ذِكْرَ مَنْ رحلوا
هُمْ يعرفونَ غَداةَ البــــينِ أنْحَـلنِي
مايَصدَعُ الصُمَّ أو تشقى بِهِ زُحَــلُ
لَكِنّ-هَيَّجَ دمعي-نخلةً عَطِـــــــشتْ
إلى لِقاءٍ بِهِ الأعذاقُ تكتَحِـــــــــــــلُ
لقد اودع الشاعر نخيله روحه ومشاعره وأحاسيسه فهي عطشى لا لماء الحياة بل لماء اللقاء
ما أجمله من مجاز وما أعمقه من تعبير له
في خلجات النفس كبير تأثير !
لقد أهملت نخلات بلده
بعد أن كانت عشاً آمناً لعصفورين
ولهين هي وطنهما يعودان إليه وقت الأصيل ، فيه سكنهما ومودتهما يقول
فَأهمَلَتْ سَعْفَها وجْداً ومَا بَرِحَـــتْ
تهمي ومُنذُ انـــــطوتْ أيّامُنا الأوَلُ
كانَتْ مُراحاً لِعصفورينِ مِنْ ولَــــهٍ
ومِنْ حَدِيثِهما تُروى وتَنثَمِـــــــــــلُ
كأنّها أدمنتْ خَمرَ الغرامِ لِقَــــــــــــاً
عِندَ الأصيلِ وقُرصُ الشمسِ ينسَدِلُ
لقد شهد العصفوران أحلام الحالمين الذين يتفيؤون ظلال النخيل
يحلمون بغدٍ مزهرٍ جميل يقول
وكمْ حَلِمنا بِآمالٍ سنقطُفَهَـــــــــــــــا
فشاركتنا الأماني وهْــيَ تَبتَهِــــــــلُ
ويتحسر شاعرنا على أيام كانت جميلة حالمة
حيث كانت شاهدة على قصص العشاق الذين يعزفون على الناي قصص عشقهم الأبدي السرمدي لوطن هو الحبيب الظاهر الخفي يقول
أينَ ابتهاجُ التي كانتْ تُداعِبُنَـــــــــــا
نايَ المواعيدِ لَمّا يعزِفُ الغَــــــــــــزلُ
فهاهيَ الآنَ ثكلى مِنْ مَواجِعِنَـــــــــا
حتّى تردّتْ على أعذاقِها الأُصُـــــــلُ
يا للأسف ويا لهول الفاجعة لقد فقدت الحبيبة الأمن والأمان والسكن والاطمئنان
فقدت الأهل والخلان
ويبين لنا الشاعر بأسلوبه الشيق ردة فعل طبيعية لتلك النخلات إذ نكست ومالت الأغصان على الجذوع حزناً وأسفاً وهمت من مآقيها الدموع
يقول :
مالتْ بِجذعٍ يشقُّ القلبَ مَنظَــــــــرُهُ
على الذين أساهمْ ليسَ يُحتَمَــــــــلُ
ويبادرنا الشاعر بمخاطبة لأصحابه ليقفواإلى جانب تلك النخلات اامكسورات
يواسونها يبعثون فيها الأمل بالحياة
يردون إليها الروح لتشمخ عالياً شموخ شمس تموز في اعالي السماوات
يقول
لِذا أقولُ قِفوا صَحْبي فَنَمْنحَهَـــــــا
ماءَ المواساةِ والآماقُ تَرتَجِــــــــــــلُ
خلاصة
إلى نخلة أداء جماليّ
سحر كلماتٍ ،
معنى مبطنِ خفيّ
رسالة إلى المتخاذلين ومن يملك قلباً صادقاً وفيّ
وكأني بشاعر العراق الأبي يبكي دماً على نخيل وطنه السخيّ الذي أصبح ذبيحاً فهل من مجيبٍ نداء محزون شجيّ
لقد ابدع الشاعر في تصويره حجم مأساة وطنه الفتي
فأنطق النخل شعراً عله يلامس اسماع هارون الرشيد او نخوة المعتصم الأبي .
ابنة الخليل

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق