الثلاثاء، 3 سبتمبر 2019

وميض… كتب: أ. قصي المحمود بقلمه




كثيراً ما يلح عليه طفله وهو أخر العنقود أن يريه الدب والأسد والغزال ..ولكثرة ولعه بأفلام كارتون,ذّات مساءقرر أن يمارس طفولته معه ويصحبه لمتنزه المدينة ففيها حديقة حيوان ترضي فضوله,كانت زحّمة المتنزه تثير حنقه فهولا يطيق الصخب والضجة والزحّمة,بعد أن قدم رشوة لطفله الصغيروهي قطعة بوظا وبعدما اشبع فضوله برؤية الحيوانات, أنسل معه ليجلس على مصطبة بعيدة تحت أشجار الزيزفون والكالبتوس وبعضاً من الورود المتناثر..مما يجعل المكان بعيداً عن الانظار. لم يكن خالياً فمكانه يغري العشاق إليه, فتراهم ينسلون خلسة إليه للتشكل لوحة جميلة من العشق العذري تستنشقها من عطر الأنوثة ممزوجة مع ورود الياسمين المتناثرة, صورة في منتهى الجمال أنعشت ذاكرته وبعثت فيها دفء غريب وشعر بنوع من الإسترخاء,شيء ما نقله إلى المحطات الأولى من قطار الحياة والبدايات الأولى ,فجأةً رأى طفلة صغيرة تتلفت يميناً ويساراً وهي تنسل من جموع الزحّمة,لا يتجاوز عمرها السنتين او اكثر بقليل..عيناها المدورتين لونها بزرقة السماء وبريقها كقطة برية ووجنتيها المتوردتين وشعرها الكستنائي المسدول والذي يغطي ظهرها..وثوبها البنفسجي المطرزبدانتيل ذّهبي اضاف بريقاً لوجهها الطفولي الممتليء براءة,تسمرت عيناه عليها, هذّه الطفلة استفزت ذاكرته الخازنة لمحطته الأولى.ملامحها هي ذّات الملامح..ابتسم إليها ليرسل لها رسالة إطمئنان..فللوهلة الأولى ظن إن بوظة صغيره هي من جذّبتها ولكنه ادرك اخيراً إنها ضلت طريق أهلها..أمسك بيديها الغضتين بحنان أبوي..إسمك صغيرتي..أين أهلك.. لم تجب وراحت تضع اصبعها في فمها مداراة لحيرتها الطفولية..جال بنظره بين الوجوه لعله يجد من يبحث عنها ولكنه لم يفلح ,تناهى لسمعه صوت الأذاعة الداخلية للمتنزه وهو يعلن عن فقدان فتاة صغيرة ترتدي فستان بنفسجي ,قفز من مكانه وهو يمسك بالصغيرين ولم يعد يسمع باقي نداء الأذاعة الداخلية.أسرع لمركز السيطرة ,عندما أقترب من المركز سحبت الصغيرة يديها منه وأسرعت بأتجاه إمرأة كانت فاتحةً ذّراعيها تتعثر بخطواتها المسرعة لأستقبال طفلتها, غاصت قدمه في الأرض.شعر إن قلبه يكاد يخرج من بين أضلعه..قدماه لا تقوى على حمله..التقت عيناه بعينيها..شعر بحرجها وأحمرار وجنتيها ,غطى رمش عينيها حيرتها..بدأت مرتبكة..وبجانبها يقف رجلاً لم يتبين ملامحه لشدة ارتباكه.. فلم يكن أقل منها إرتباكاً.. كانت المحطة الاولى من البدايات ..وكانت بدايات أول نبض وذائقة أول قبلة لم تزل في خزين الذاكرة طرية ..لحظات كانت دهرا عليه وهو يحدق في عينيها ,ولم تبخل عليه هي في نظرة مشفرة فيها ألف عتاب..  ويبدو أن الحياة أثقلتهما بالكثير وامتلأت حاويتهما .. لم يحتمل ما يعانيه من عدم انتظام الأنفاس ونبضات القلب ..استدار بسرعة وأسرع الخطى وخلفه سمع صوت الرجل..يا رجل قف لنشكرك؟؟ولكنه اسرع الخطى دون أن يلتفت  وملوحاً إليه بيده..ليختفي مع طفله الصغير بين الزحمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق